أغنيةُ الموجِ وأنفاسُ الغروب

للحياة‭ ‬مناظر‭ ‬جميلة‭ ‬لا‭ ‬تمل‭ ‬العين‭ ‬من‭ ‬رؤيتها‭ ‬مهما‭ ‬أطالت‭ ‬النظر‭ ‬إليها‭. ‬وهي‭ ‬مناظر‭ ‬لا‭ ‬تسعد‭ ‬العين‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬أعماق‭ ‬الروح،‭ ‬لتوقظ‭ ‬فيها‭ ‬شعورا‭ ‬قديما،‭ ‬وتعيد‭ ‬إليها‭ ‬ذكرى‭ ‬بعيدة،‭ ‬وتحرك‭ ‬فيها‭ ‬شوقا‭ ‬هادئا‭ ‬يعجز‭ ‬القلب‭ ‬عن‭ ‬وصفه‭.‬

عندما‭ ‬أبتعد‭ ‬عن‭ ‬زحام‭ ‬الحياة‭ ‬وأجلس‭ ‬وحيدا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الشاطئ،‭ ‬تأتي‭ ‬الأمواج‭ ‬بهدوء‭ ‬كأنه‭ ‬الهمس،‭ ‬فتداعب‭ ‬الرمل‭ ‬وقدمي‭ ‬برفق،‭ ‬وکأنها‭ ‬صديقة‭ ‬قديمة‭ ‬عادت‭ ‬لتكمل‭ ‬حديثا‭ ‬قديما‭. ‬وتظل‭ ‬تحدثني‭ ‬عن‭ ‬الفرح‭ ‬والحزن،‭ ‬وعن‭ ‬أسرار‭ ‬أخفتها‭ ‬في‭ ‬أعماقها،‭ ‬حتى‭ ‬يمر‭ ‬الوقت‭ ‬سريعا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أشعر‭ ‬به‭.‬

وأحيانا‭ ‬تنشد‭ ‬ألحانها‭ ‬الخاصة،‭ ‬فينتشر‭ ‬هديرها‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬البحر،‭ ‬ويختلط‭ ‬فيه‭ ‬الصوت‭ ‬بالنغم،‭ ‬فأذوب‭ ‬في‭ ‬سحرها‭ ‬وأستسلم‭ ‬لعذوبة‭ ‬صوتها،‭ ‬حتى‭ ‬أشعر‭ ‬كأن‭ ‬أحضان‭ ‬الموج‭ ‬مهد‭ ‬من‭ ‬سكينة،‭ ‬يحملني‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬زحام‭ ‬الحياة‭.‬

وللأمواج‭ ‬وجوه‭ ‬مختلفة،‭ ‬مرة‭ ‬تأتي‭ ‬هادئة‭ ‬ولطيفة،‭ ‬ومرة‭ ‬أخرى‭ ‬تغضب‭ ‬وتعلو‭ ‬كأن‭ ‬فيها‭ ‬عاصفة‭. ‬لكنني‭ ‬أعلم‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تثور‭ ‬غضبا‭ ‬علي،‭ ‬بل‭ ‬تصرخ‭ ‬حزنا‭ ‬من‭ ‬ألم‭ ‬في‭ ‬أعماقها،‭ ‬وتخرج‭ ‬بما‭ ‬عجزت‭ ‬عن‭ ‬كتمانه‭. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬أسألها‭ ‬ولا‭ ‬أقاطع‭ ‬بكاءها‭ ‬الحزين،‭ ‬بل‭ ‬أجلس‭ ‬صامتا‭ ‬حتى‭ ‬تفرغ‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬وسعها‭ ‬وتهدأ،‭ ‬ثم‭ ‬ترجع‭ ‬موجة‭ ‬هادئة‭ ‬تجلب‭ ‬معها‭ ‬السلام‭. ‬والبحر‭ ‬لا‭ ‬يقول‭ ‬أسراره‭ ‬لأي‭ ‬شخص،‭ ‬بل‭ ‬يفرج‭ ‬عنها‭ ‬فقط‭ ‬لمن‭ ‬يتقن‭ ‬الاستماع‭ ‬إليه‭.‬

وعندما‭ ‬ينتهي‭ ‬النهار،‭ ‬تترك‭ ‬الشمس‭ ‬قبل‭ ‬رحيلها‭ ‬ضوءا‭ ‬أخيرا‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬البحر،‭ ‬ثم‭ ‬تذهب‭ ‬نحو‭ ‬الأفق‭ ‬وهي‭ ‬تقول‭ ‬له‭: ‬‮«‬سأعود‭ ‬غدا‭ ‬من‭ ‬جديد‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬تبدأ‭ ‬السماء‭ ‬بتغيير‭ ‬ألوانها‭ ‬الجذابة‭ ‬كأجنحة‭ ‬طائر‭ ‬من‭ ‬نور،‭ ‬بينما‭ ‬تختفي‭ ‬أشعة‭ ‬الشمس‭ ‬الذهبية‭ ‬فوق‭ ‬الماء،‭ ‬وكأنها‭ ‬آخر‭ ‬رسالة‭ ‬حب‭ ‬يكتبها‭ ‬النور‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يختفي‭.‬

ليس‭ ‬البحر‭ ‬امتدادا‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬قصيدة‭ ‬كبرى‭ ‬لا‭ ‬تنتهي،‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬أمواجها‭ ‬ذكريات‭ ‬الماضي‭ ‬وأنفاس‭ ‬الراحلين‭. ‬كل‭ ‬موجة‭ ‬تصل‭ ‬الشاطئ‭ ‬تبدو‭ ‬كحكاية‭ ‬قديمة‭ ‬تعود‭ ‬من‭ ‬أعماق‭ ‬الزمن،‭ ‬وكلما‭ ‬تحطمت‭ ‬على‭ ‬الرمل،‭ ‬خيل‭ ‬إلي‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬موجة‭ ‬تكتب‭ ‬حكاية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬كتاب‭ ‬الحياة‭.‬

أما‭ ‬الشاطئ،‭ ‬فليس‭ ‬امتدادا‭ ‬من‭ ‬الرمال‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حضن‭ ‬أم‭ ‬حنون،‭ ‬يستقبل‭ ‬كل‭ ‬موجة‭ ‬عائدة،‭ ‬وتؤكد‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬بينهما‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬أبدا،‭ ‬مهما‭ ‬ابتعدت‭ ‬الموجة‭.‬

وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأمسيات،‭ ‬يحل‭ ‬الصمت‭ ‬على‭ ‬المكان‭ ‬في‭ ‬سكينة‭ ‬تشبه‭ ‬سكينة‭ ‬الدعاء،‭ ‬فتملأ‭ ‬الروح‭ ‬مشاعر‭ ‬هادئة‭ ‬كأنها‭ ‬لحظة‭ ‬خشوع‭ ‬بين‭ ‬يدي‭ ‬الله‭. ‬وكلما‭ ‬هب‭ ‬النسيم،‭ ‬أيقظ‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬مشاعر‭ ‬ظننت‭ ‬أنها‭ ‬اختفت‭ ‬إلى‭ ‬الأبد،‭ ‬وتفتح‭ ‬في‭ ‬الداخلي‭ ‬نوافذ‭ ‬الذكريات،‭ ‬فتمر‭ ‬منها‭ ‬وجوه‭ ‬وأصوات‭ ‬وأيام‭ ‬غابت‭ ‬خلف‭ ‬ستار‭ ‬الزمن‭.‬

إن‭ ‬الغروب‭ ‬ليس‭ ‬نهاية‭ ‬يوم‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬يلتقي‭ ‬فيها‭ ‬النور‭ ‬والظلام،‭ ‬والرحيل‭ ‬والوعد،‭ ‬والحزن‭ ‬والأمل‭... ‬والحياة‭ ‬مثل‭ ‬البحر‭ ‬تماما،‭ ‬نقف‭ ‬على‭ ‬شاطئها‭ ‬ونظن‭ ‬أننا‭ ‬نفهمها،‭ ‬بينما‭ ‬تخفي‭ ‬أعماقها‭ ‬أسرارا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬رؤيتها‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬الهادئة،‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬البحر‭ ‬مجرد‭ ‬ماء،‭ ‬ولا‭ ‬الغروب‭ ‬مجرد‭ ‬ألوان،‭ ‬ولا‭ ‬الريح‭ ‬مجرد‭ ‬نسيم،‭ ‬بل‭ ‬تتحول‭ ‬الأشياء‭ ‬كلها‭ ‬إلى‭ ‬لغة‭ ‬سرية‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬كلمات‭. ‬وكأن‭ ‬الكون‭ ‬قد‭ ‬رسم‭ ‬على‭ ‬صفحة‭ ‬البحر‭ ‬لوحة‭ ‬رائعة‭ ‬من‭ ‬الجمال،‭ ‬يدعونا‭ ‬إلى‭ ‬تأمل‭ ‬أسرار‭ ‬خلق‭ ‬الله‭ ‬والحياة،‭ ‬ويذكرنا‭ ‬بقول‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭: ‬﴿صِبْغَةَ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬وَمَنْ‭ ‬أَحْسَنُ‭ ‬مِنَ‭ ‬اللَّهِ‭ ‬صِبْغَةً‭ ‬وَنَحْنُ‭ ‬لَهُ‭ ‬عَابِدُونَ﴾‭ [‬البقرة‭: ‬138‭].‬

عندما‭ ‬أعود‭ ‬بعد‭ ‬الاستماع‭ ‬إلى‭ ‬صوت‭ ‬البحر‭ ‬وأمواجه،‭ ‬تملأ‭ ‬الراحة‭ ‬قلبي،‭ ‬ويمحو‭ ‬هذا‭ ‬الهدوء‭ ‬وجعي‭ ‬ومتاعبي‭. ‬ما‭ ‬أجمل‭ ‬الجلوس‭ ‬وحدي‭ ‬على‭ ‬الشاطئ‭ ‬لأشاهد‭ ‬ألوان‭ ‬الغروب‭ ‬وأشعر‭ ‬بالسكينة،‭ ‬فأترك‭ ‬أحزاني‭ ‬على‭ ‬الرمل،‭ ‬وأرجع‭ ‬بسلام‭ ‬ودفء‭ ‬لا‭ ‬تمنحهما‭ ‬إلا‭ ‬هذه‭ ‬اللحظات‭ ‬الجميلة‭.‬

0 comments:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...