السفن الشراعية: محامل الذاكرة التي نسجت الحضارات

عندما‭ ‬أرى‭ ‬شعار‭ ‬الشركة‭ ‬التي‭ ‬أعمل‭ ‬فيها،‭ ‬وفي‭ ‬وسطه‭ ‬صورةُ‭ ‬السفنِ‭ ‬الشراعية،‭ ‬أرغب‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬مشاركة‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬ذهني،‭ ‬إذ‭ ‬يستحضرُ‭ ‬ذلك‭ ‬الشعارُ‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الذكريات‭ ‬العميقة‭. ‬فذلك‭ ‬الشعار‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬رمز‭ ‬بصري،‭ ‬بل‭ ‬نافذة‭ ‬تفتح‭ ‬أمامي‭ ‬على‭ ‬تاريخٍ‭ ‬طويلٍ‭ ‬من‭ ‬الرحلات‭ ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬حضارات‭ ‬كبرى،‭ ‬ونسجت‭ ‬خيوط‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬شعوبٍ‭ ‬بعيدة‭.‬


وتعود‭ ‬بي‭ ‬الذاكرة‭ ‬إلى‭ ‬أغنيةٍ‭ ‬قديمةٍ‭ ‬باللهجة‭ ‬المالايالامية‭ ‬تبدأ‭ ‬بعبارة‭: ‬‮«‬سفينة‭ ‬شراعية‭ ‬قديمة‮…‬‮»‬‭  ‬،‭ ‬تلك‭ ‬الأغنية‭ ‬التي‭ ‬تستحضر‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬روح‭ ‬الرحلات‭ ‬البحرية‭ ‬القديمة،‭ ‬حينما‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬السفنُ‭ ‬محصورةً‭ ‬في‭ ‬حملِ‭ ‬البضائع،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تنقلُ‭ ‬ثقافاتٍ‭ ‬وأحلامًا‭ ‬ورسائلَ‭ ‬إنسانيةً‭ ‬عابرةً‭ ‬للحدود‭.‬





إن‭ ‬السفن‭ ‬الشراعية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬نقل‭ ‬عبر‭ ‬البحر،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬ذاكرةً‭ ‬حيةً‭ ‬لعصرٍ‭ ‬كامل‭. ‬ففي‭ ‬رحلاتها‭ ‬فوق‭ ‬الأمواج،‭ ‬اختبأت‭ ‬آلاف‭ ‬الحكايات‭ ‬والتجارب‭. ‬وحتى‭ ‬اليوم،‭ ‬عندما‭ ‬تهب‭ ‬نسائم‭ ‬البحر،‭ ‬نشعر‭ ‬وكأن‭ ‬أصوات‭ ‬تلك‭ ‬الرحلات‭ ‬القديمة‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬تتردد‭ ‬بين‭ ‬الموج‭ ‬والرياح‭.‬


و‭ ‬بدأ‭ ‬فصلٌ‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬التواصل‭ ‬الحضاري‭  ‬وعلى‭ ‬سواحل‭ ‬ملايبار،‭ ‬عندما‭ ‬وصل‭ ‬العرب‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة‭ ‬ليسوا‭ ‬حاملي‭ ‬حرب،‭ ‬بل‭ ‬جاءوا‭ ‬كتجّارٍ‭ ‬وحَمَلةِ‭ ‬ثقافةٍ‭ ‬وروابط‭ ‬إنسانية‭. ‬وفي‭ ‬ذلك‭ ‬السياق‭ ‬التاريخي،‭ ‬وصل‭ ‬مالك‭ ‬بن‭ ‬دينار‭ ‬إلى‭ ‬ملايبار،‭ ‬حيث‭ ‬استقبله‭ ‬الملك‭ ‬شيرامان‭ ‬برمال‭ ‬استقبالًا‭ ‬يعبّر‭ ‬عن‭ ‬الاحترام‭ ‬والتقدير‭. ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬اللقاء‭ ‬رمزًا‭ ‬للتعايش‭ ‬والتفاهم‭ ‬بين‭ ‬الحضارات

ويتبادر‭ ‬إلى‭ ‬ذهني‭ ‬أيضًا‭ ‬بعضُ‭ ‬الأبيات‭ ‬التي‭ ‬تُجسّد‭ ‬عمق‭ ‬الصلة‭ ‬بين‭ ‬العرب‭ ‬وبلاد‭ ‬المَلايبار‭ ‬في‭ ‬الهند،‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬نُقل‭ ‬عن‭ ‬امرئ‭ ‬القيس‭ ‬قوله‭:‬


نرى‭ ‬بَعَرَ‭ ‬الأَرْآمِ‭ ‬في‭ ‬عَرَصاتِها

وقيعانِها‭ ‬كأنَّه‭ ‬حبُّ‭ ‬فلفل


ويُفهم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التشبيه‭ ‬تشبيه‭ ‬بعر‭ ‬الظباء‭ ‬بحبّ‭ ‬الفلفل‭ ‬أن‭ ‬العرب‭ ‬كانوا‭ ‬على‭ ‬معرفةٍ‭ ‬بالفلفل‭ ‬الهندي،‭ ‬مما‭ ‬يُشير‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬علاقاتٍ‭ ‬تجارية‭ ‬وثقافية‭ ‬قديمة‭ ‬بينهم‭ ‬وبين‭ ‬الهند‭.‬


وهكذا‭ ‬كانت‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬العرب‭ ‬والهنود‭ ‬مزدهرةً‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المجالات‭ ‬الحضارية،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الاقتصادي‭ ‬أو‭ ‬العلمي‭ ‬أو‭ ‬الثقافي‭. ‬وقد‭ ‬ازدهرت‭ ‬هذه‭ ‬الروابط‭ ‬نتيجة‭ ‬التقارب‭ ‬الجغرافي،‭ ‬والتواصل‭ ‬عبر‭ ‬الطرق‭ ‬البحرية،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬الإرث‭ ‬التاريخي‭ ‬والحضاري‭ ‬العريق‭.‬


وأكتفي‭ ‬هنا‭ ‬بذكر‭ ‬هذه‭ ‬الأبيات‭ ‬من‭ ‬شعر‭ ‬امرؤ‭ ‬القيس‭ ‬من‭ ‬العصر‭ ‬الجاهلي،‭ ‬لما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬دلالةٍ‭ ‬لطيفة‭ ‬على‭ ‬عمق‭ ‬ذلك‭ ‬التواصل‭.‬


كما‭ ‬أن‭ ‬قصص‭ ‬الغواصين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يغوصون‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬البحر‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬تحمل‭ ‬معنى‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬قيمته‭ ‬المادية‭. ‬فقد‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬معاني‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬أعماقها،‭ ‬وعن‭ ‬الأمل‭ ‬والصبر‭ ‬والانتظار،‭ ‬ليصبح‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬رمزًا‭ ‬لرحلة‭ ‬إنسانية‭ ‬مليئة‭ ‬بالتجربة‭ ‬والمعاناة‭ ‬والجمال‭.‬


ومن‭ ‬هنا،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬السفن‭ ‬الشراعية‭ ‬مجرد‭ ‬وسائل‭ ‬سفر،‭ ‬بل‭ ‬جسورًا‭ ‬حقيقية‭ ‬ربطت‭ ‬بين‭ ‬الثقافات‭. ‬فمن‭ ‬خلالها‭ ‬انتقلت‭ ‬الثقافة‭ ‬العربية‭ ‬إلى‭ ‬مالايبار،‭  ‬كما‭ ‬ترك‭ ‬الرحالة‭ ‬ابن‭ ‬بطوطة‭ ‬بصماته‭ ‬في‭ ‬توثيق‭ ‬تلك‭ ‬الرحلات‭ ‬واكتشاف‭ ‬عوالم‭ ‬متعددة‭ ‬خاصة‭ ‬عن‭ ‬نبض‭ ‬رحلة‭ ‬البحر‭.‬


واليوم،‭ ‬عندما‭ ‬نرى‭ ‬صورة‭ ‬السفن‭ ‬الشراعية‭ ‬في‭ ‬شعار‭ ‬أو‭ ‬تصميم،‭ ‬فإننا‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬شكلاً‭ ‬جماليًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬نستحضر‭ ‬تاريخًا‭ ‬طويلًا‭ ‬من‭ ‬التواصل‭ ‬الإنساني‭ ‬والحضاري‭. ‬إنه‭ ‬يرمز‭ ‬إلى‭ ‬بداية‭ ‬الرحلات،‭ ‬وبدايات‭ ‬الاغتراب،‭ ‬وإلى‭ ‬الطرق‭ ‬البحرية‭ ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭.‬


ورغم‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬السفن‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تبحر‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬السابق،‭ ‬فإن‭ ‬ذكراها‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬حية‭ ‬في‭ ‬نفوسنا‭. ‬فالبحر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يومًا‭ ‬حاجزًا‭ ‬يفصل‭ ‬بين‭ ‬البشر،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬طريقًا‭ ‬واسعًا‭ ‬يصل‭ ‬بينهم،‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬يحمل‭ ‬معنى‭ ‬التواصل‭ ‬نفسه‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭.‬

0 comments:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...