في رحاب مكتبة قطر الوطنية، ومن بين المعروضات الساحرة لمعرض «مقامات الحريري: فن البيان»، ولدت فكرة هذا المقال؛ فحينما رأيتُ تلك اللوحات والنصوص الشيقة، والشاشات الرقمية التفاعلية، حلّق بي الخيال مباشرة إلى أيام الدراسة الجامعية، لتستحضر الذاكرة تلك الدروس القيمة التي نهلتُها من كتاب «تاريخ الأدب العربي» لأحمد حسن الزيات، حيث أعادني المعرض حياً إلى عوالم الحريري ومقاماته الخمسين التي نحلها أبا زيد السروجي على لسان الحارث بن همام، ونسجها على منوال البديع، لتظل تلك المقامات ديواناً ممتعاً يجمع اللغة والأمثال والنوادر، مما يفسر عناية الأدباء بها شرقاً وغرباً، وترجمتها على يد أكثر من عشرين مستشرقاً من الفرنسيين والألمان والإنجليز الذين أدركوا قيمة هذه الصناعة اللفظية الفريدة.
هذا العشق العميق الذي تجدد في نفسي داخل المعرض، جعلني أفكر كثيراً في واقعنا الحالي: لماذا يغيب هذا الفن عن أيامنا هذه؟ ولماذا انقطع امتداده ولم يعد مشهوراً كما كان؟.
ومن خلال دراستي وتفكيري، عرفت أن اختفاء المقامة لم يكن بالصدفة، بل بسبب تغير ذوق القراء حيث نجحت الرواية والقصة القصيرة في أخذ مكان هذا الفن القديم، لأنها الأسهل والأقدر على مناقشة قضايا العصر بشكل مباشر.
وفي المقابل، بقيت المقامة محبوسة في الكتب القديمة لسببين أساسيين:
أولهما اللغة الصعبة التي يراها قارئ اليوم بعيدة عن حياته اليومية، والثاني هو أن كُتّاب اليوم لا يوجّهون أفكارهم واهتمامهم نحو هذا المجال؛ فالمقامة فن لا يكتفي بالحكاية كالرواية، ولا بالمشاعر كالشعر، بل يتطلب مهارة لغوية خاصة في صياغة السجع والجناس. وأظن أن أغلب كُتّاب العصر لا يبدون اهتماماً كبيراً بهذا الفن، ليس عجزاً عن الكتابة ذاتها، بل نظراً لصعوبة شروط هذا الفن الذي يجمع بين القصة والزخرفة اللغوية المعقدة.
علما بأن المقامة كانت بالنسبة لي دائماً تمثل قمة الفصاحة وهيبة اللغة العربية، وتراثاً يستحق أن يعيش بيننا، لا أن يُنسى على الرفوف.
إن إحياء المقامة اليوم لا يعني أن نُقلّد الماضي بحرفيته، بل أن نستفيد من روح البلاغة العربية ونطورها، كما فعل الإمامان الجليلان الزمخشري والسيوطي (رحمهما الله) على سبيل المثال عندما استخدَما المقامة في الموعظة والعلم،
ويمكن للكُتّاب اليوم الاستفادة من هذا الفن بطريقتين الأولى: تطوير مهاراتهم اللغوية، فالمقامة مدرسة مليئة بالكلمات والمترادفات التي تقوي قلم الكاتب.
والثانية: التجديد الفني، من خلال استخدام أسلوب السجع الأنيق في كتابة قصص ذكية ومرنة، تناقش قضايا عصرنا الحالي باختصار وبلاغة.
المقامة ليست مجرد نص قديم نقرأه، بل هي هوية لغوية نحتاجها اليوم لحماية فصاحة اللسان، والجهود التي تقدمها المؤسسات الثقافية، مثل مكتبة قطر الوطنية عبر معارضها المميزة، تؤكد أن هذا الفن ما زال حياً، وأن إحياء التراث ليس عودة للوراء، بل هو الجسر الأقوى لبناء مستقبل أدبي يحافظ على جذوره العميقة ويواكب عصره الحالي.
والثانية: التجديد الفني، من خلال استخدام أسلوب السجع الأنيق في كتابة قصص ذكية ومرنة، تناقش قضايا عصرنا الحالي باختصار وبلاغة.
المقامة ليست مجرد نص قديم نقرأه، بل هي هوية لغوية نحتاجها اليوم لحماية فصاحة اللسان، والجهود التي تقدمها المؤسسات الثقافية، مثل مكتبة قطر الوطنية عبر معارضها المميزة، تؤكد أن هذا الفن ما زال حياً، وأن إحياء التراث ليس عودة للوراء، بل هو الجسر الأقوى لبناء مستقبل أدبي يحافظ على جذوره العميقة ويواكب عصره الحالي.






















